فؤاد ابراهيم
133
الشيعة في السعودية
وما من شك أن النزوع نحو تأكيد الالتصاق بالجذور والاحتماء بالماضي يحقق أغراضا متعددة لدى المستقيلين كرها وطواعية ، منها الدفاع عن الذات وتبريرها ، والحصانة أمام العصبية المتشددة الجاهزة لإشهار سلاح ( التحريم الكنسي ) ، ولذلك يفرط البعض في ( مهادنة ) التراث عوضا من مجابهته . وبهذه المنهجية يتم ( ترسيم ) النص التراثي ومركزته ، إذ إن تنوّع القراءات فيه لا تعدو كونها ضرورات مرحلية استثنائية تحفظ نقاوة التراث وسطوته الدائمة . وحين يتساوى المتطرف والمعتدل في الاستقالة أمام التراث ، تصبح مولّدات السجال ناشطة . فالبوصلة تشير دائما إلى الماضي بكل متوالياته ( التراث ، التاريخ ، الرموز ، النصوص القديمة ) ، وهو يمثّل الساحة التي يلتقي عليها الأفرقاء جميعا ، وليس الحاضر بكل تحدياته وهمومه . وإذا كان المتطرفون يحملون وزر تهريب ذخائر التراث السجالي إلى الحاضر ، فإن المعتدلين غير معفيين من المسؤولية أيضا ، فهم بإزاء تراث يحتضن السجل الكامل لمخزون عقدي صاغوا في فترة ما وعيهم الخاص منه ، ومن دفقه تشرّبت نظراتهم ومواقفهم ، وهم ملزمون بتحديد الموقف منه كليا وجزئيا . وينبغي لنا تذكّر تداعيات هذا الموقف على الأجيال اللاحقة التي ستكوى بالجمرة الخبيثة ذاتها ، أي الطائفية ، إن لم نعدّل الآن المسار المعوّج . لم يعد كافيا مجرد تبني مبدأ التسامح المذهبي مع الإبقاء على فورانية التراث واستعماله ساترا حصينا في العلاقة مع الآخر ، بل الحاجة تتأكد وبإلحاح شديد إلى تفكيك المقدّس ووضع قياسات جديدة لهذا الفضاء المتمدد بلا حدود . فما نواجهه الآن هو تراث يكاد يطغى بنصوصه ورموزه ووقائعه على الحاضر ، نابذا الزمن الذي نحيا فيه ، وملغيا لاستقلالية الدور الذي يجب أن نضطلع به في وعي ذاتنا وحاجاتنا . فهذا التراث الحاضن كل قديم يجب إخضاعه لمراجعة دورية . ولا بد من القول صراحة إن في تراثنا ما يستحق أن يكون طعما للنار ، فالكتابات غير المسؤولة التي صنّفت في أزمان غابرة مظلمة ، يبلغ فيها التهافت حدّ الإسفاف المفرط في بذاءة اللغة ، وركاكة الألفاظ ، كتلك المقولات في الخلفاء الراشدين .